الشيخ محمد رضا مهدوي كني
13
البداية في الأخلاق العملية
ولذلك نرى علماء الاخلاق طالما اوصوا بعدم الكذب ما دام بالامكان اللجوء إلى التورية . وهناك من الاعمال والممارسات ما اتفق الفقه والاخلاق على منعها كالغيبة ، والكذب ، والتهمة ، غير انّ ملاك البحث يختلف في كل منهما . فعلم الفقه يهتم بالجانب الحقوقي للموضوع « 1 » ، بينما يسلط علم الاخلاق الضوء على الابعاد القيمية وغير القيمية . ففي الغيبة مثلا هناك جهتان : الأولى انها تهتك حرمة المؤمن وتلحق الأذى به ، وهو ما يعبّر عنه في الفقه بالشغل الحرام والكبيرة ؛ والثانية انها نوع من المرض النفسي الذي يتعارض مع القيم الانسانية السامية ، ويبعث على مسخ حقيقة الانسان حال تكراره ويحوله إلى حيوان وحشي . وتتصل هذه الجهة بعلم الاخلاق . فالجهة الأولى بالامكان تداركها من خلال استحصال رضا الشخص المستغاب ، اما الجهة الثانية فليس بالامكان تداركها عن هذا الطريق وانما عن طريق الرياضة والعبادة والدعاء والاستغفار كي يمكن إزاحة الأدران والنقاط السوداء عن لوحة القلب . فالفقه يقتصر على تبيان الأحكام ، في حين تسلط الاخلاق الضوء على أسلوب الوقاية من المعاصي والآثام والأمراض النفسية . فلو أريد دراسة لماذا يعتبر القرآن الغيبة بمثابة أكل لحم الأخ الديني وهو ميت ، فان هذا البحث يقع ضمن نطاق علم الاخلاق . اي ان دراسة لماذا يهبط
--> ( 1 ) لم يكن هناك انفصال في صدر الاسلام بين علم الفقه وعلم الاخلاق وسائر المعارف الدينية . ثم حصل انفكاك بعضها عن البعض الآخر على يد علماء الدين والمفكرين المسلمين . بل إن مفردة الفقه تعني في الثقافة القرآنية معرفة جميع الشؤون والمعارف الدينية كالأصول والفروع والاخلاق والتفسير ، وغيرها . ويرجع هذا الفصل بين المعارف الاسلامية إلى كثرة المسائل المستنبطة والمستحدثة في الأزمنة المتأخرة ، وتوخيا للتنظيم والتبويب وتسهيل عملية المراجعة . فلو أخذنا آية الغيبة على سبيل المثال ، للاحظنا اجتماع جانبها الفقهي وهو حرمة الغيبة إلى جانب جانبها القيمي والأخلاقي ، إذ قال تعالى وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ . . . ( الحجرات ، الآية 12 ) ، لأنّ هذا الجمع بين الجانبين الفقهي والأخلاقي مهم على الصعيد التربوي بمستوى أهمية الجمع بين التعليم والتربية ، ولذلك يحرص المعلمون التربويون والمربون على أن يقترن التعليم بالتربية دائما .